مجرد شوشرة سياسة

اسمع كلامى: جُزء كبير من إخفاق 25 يناير، ثم إخفاق الإخوان، ثم توهان 30 يونيو، كل ذلك يعود إلى سبب رئيسى: الهواة أكثر من المحترفين.

منذ أن سقط النظام القديم فى 11 فبراير 2011 م، لم ننجح- جميعاً- لا أقول فى بناء نظام جديد ناجح وفعال ومستقر، فهذا حتى لو كنا ماشيين على الصراط المستقيم سوف يستغرق وقتاً طويلاً، لكن لم ننجح حتى فى الاتفاق على الملامح الأولية لهذا النظام الذى نرجوه والذى نتفق عليه.

كان الاتفاق- بعد سقوط نظام مبارك- هو على عدم عودة ذاك النظام، لكن دون اتفاق على أسس النظام الذى بعده، انفرد الإخوان بالدستور، استحوذوا على كل شىء، خسروا كل شىء، وأصبح علينا أن نبدأ من جديد.

ثم كان الاتفاق العام- بعد سقوط نظام الإخوان- يدور حول تأسيس دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وذلك وفق ما تم إعلانه- 3 يوليو- فى خريطة الطريق. أنجزنا منها الدستور الذى يبدو أنه لم يعد يعجب البعض من أهل الحكم والقرار، ثم اكتفينا بانتخاب الرئيس، وبعده بدأنا نتكلم لغة جديدة.

فبدلاً من الحديث الأول عن تأسيس دولة مدنية ديمقراطية حديثة، انقلبنا للحديث عن ضرورة «الحفاظ على الدولة المصرية»، دون أن نسأل أنفسنا: أى دولة مصرية نحافظ عليها؟!، ثم كيف نحافظ عليها: هل بتجديدها وتطويرها، أم بمقاومة التجديد والخوف من التطوير كما هو الحادث الآن؟!

تقدر تقول: إننا اختصرنا خريطة الطريق فى الاستحقاق الثانى فقط، أى فى الرئاسة، ونغض البصر عن الاستحقاق السابق، وهو الدستور المركون على الرفوف كأنه لقيط، ثم نُلهى الأبصار عن الاستحقاق اللاحق، وهو البرلمان، وضعنا له قوانين نحن نعلم- عن يقين- أنها غير دستورية، وبعد أن ظهرت للملأ ارتفع الكثير من الأصوات العليمة والأمينة تنبه إلى هذه العورات الدستورية، لكننا لم نسمع لأحد، واخترنا أن نركب الجميع معنا فى رحلة إجبارية مُملة وسخيفة، تم فيها تفسيح الشعب فسحة غير سعيدة بالمرة.

المؤكد أننا فى وضع غير مريح، لا للحاكم، ولا للمحكوم، لا لمن يؤيد، ولا لمن يعارض، خاصةً فى الظروف التالية:

أولاً: طالت فترة اختبار 30 يونيو، فهى توشك أن تُكمل عامين، وهجُها ينطفئ، ومشكلاتها تزيد، وإنجازاتُها أمان ووعود.

ثانياً: انفرط الكثير من حبات العقد الوطنى الذى انتظم تحت راية 30 يونيو، حيث احتكر بعضُنا القرار، وفقد بعضُنا البوصلة، وفقد بعضُنا الهمة، وآثر بعضُنا أن يلوذ بالصمت، وآثر بعضُنا أن يلوذ بالفرار.

ثالثاً: نتجت عن ذلك حالة عدمية غريبة الشأن، فلسنا ندرى: هل نتحرك إلى الأمام الذى نرجوه ونتمناه؟!، أم نعود إلى الخلف الذى جربناه ونرفضه؟!، أم نتحرك نحو المجهول الذى نخشاه ولا نعرفه؟!

رابعاً: وفيما يختص بممارسة السلطة، نحن لا نعلم: هل نحن بصدد ديمقراطية وليدة؟!، أم نؤسس- فى صمت- لديكتاتورية جديدة؟!، أم أن الأمر لا يعدو كونه عجز الهواة عن ممارسة السلطة الجديدة عليهم، ففقدوا القدرة على التمييز والاختيار، ليجدوا أنفسهم فى أوسع طرق الديكتاتورية بدون هدف، وليجدوا أنفسهم قد ابتعدوا عن كل المسارات الديمقراطية بدون مبرر معقول؟!

خامساً: الهواة- فى الأحزاب السياسية- ليسوا أبرياء مما وصلنا إليه. فهم- تحت راية ولافتات الأحزاب- يتكلمون فى السياسة، لكنهم لا يعملون بالسياسة، من حيث هى تعبير عن مصالح شعبية واسعة، يطرحون لها الرؤى والخطط والبرامج، ويجمعون حولها القوى التصويتية التى ترى لها مصلحة أكيدة للتصويت الانتخابى لصالح هذا الحزب أو ذاك.

خلاصة الكلام: السياسة احتراف، إدارة الدول فن معقد يحتاج إلى صنايعية عظام، إصلاح المجتمعات هندسة وليست هواية ولا فهلوة.

نحن فى حاجة إلى طبقة سياسية مسؤولة ومتعلمة ومؤهلة ومدربة على احتمال مشقات وتحديات العمل العام.

ليس عيباً ألا تكون هذه الطبقة غير موجودة، فهذا ممنوع منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952 م، لكن العيب أن يتقدم الهواة، وأن تزدحم الساحة بالمتطفلين، وأن ينسحب أهل العلم بعيداً عن هذا الصخب وعن هذه الضوضاء.

كفاية شوشرة، نريد سياسة.

جريدة المصري اليوم

قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

سيف نيوز  منصة إخبارية إعلامية مستقلة.
بدء الموقع البث في يونيو عام 2013 ويتضمن أخبار سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية وجولات في الصحافة وبرامج دورية وأفلاما وثائقية وتحقيقات.
يبث الموقع اخباره 24 ساعة يوميا خلال 7 أيام في الأسبوع من قلب الحدث فهو بوابة اخبارية شاملة تتناول الأخبار والأحداث بمهنية وموضوعية وحيادية.

Go to top