>

جون كيري || تحالفات من أجل السلام

تحالفات من أجل السلام

 

كانت نشأتي في ظل الحرب العالمية الثانية، كما شهدت بزوغ فجر الحرب الباردة، ولقد أعطاني عمل والدي، كموظف في السلك الدبلوماسي، الفرصة لمعاينة التاريخ، وهو يُصنَع عن كَثَب، وعلى النحو الذي خَلَّف في نفسي أثراً باقياً: فلن أنسى أبداً كيف سرت معه على شواطئ نورماندي، وكيف رأيت قوارب هيجنز الضخمة المحترقة التي استخدمت لإنزال القوات على البر، وهي لاتزال قابعة هناك على تلك الشواطئ، بعد بضع سنوات من رحيل الكثير من الشباب إلى قبورهم حتى ينعم العالم بالحرية، وعلى نحو مماثل، لن أنسى أبداً الشعور الغريب الذي انتابني عندما قدت دراجتي عبر بوابة براندنبورغ من برلين الغربية إلى الشرق، ورأيت التناقض الواضح بين الناس الذين كانوا أحراراً، وأولئك الذين كانوا محتجزين خلف الستار الحديدي.

وما يخلف في نفسي انطباعاً قوياً الآن، وبعد مرور كل هذه السنوات، هو أن ذلك الجيل من القادة لم يفز بالحرب فحسب، بل فاز أيضاً بالسلام، وكان ذلك الإنجاز جماعياً، فقد عملت الولايات المتحدة وشركاؤها على تأسيس تحالفات جلبت الازدهار والاستقرار إلى أوروبا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية، وتحول أعداء الماضي إلى حلفاء الحاضر، ومعاً، كان أعضاء هذه التحالفات رواداً لنظام اقتصادي عالمي جديد جعل العالم أكثر ازدهاراً، حتى عندما كانت رحى الحرب الباردة تدور على أشدها، وجد أولئك القادة سبلاً للتعاون بشأن الحد من التسلح، ومنع الحرب النووية المهلكة.

باختصار، نجحنا من خلال بناء مؤسسات وشراكات استراتيجية دولية فعّالة ولا غنى عنها في تجنب حرب عالمية كارثية أخرى؛ بل كان بوسعنا في نهاية المطاف إنهاء الحرب الباردة، ورفع مستويات المعيشة العالمية لمصلحة مئات الملايين من البشر.

الحق أنها قصة رائعة من القرن العشرين، ولكن السؤال الآن يدور حول معالم القصة التي قد يفرزها القرن الحادي والعشرون.

واليوم، يواجه النظام العالمي تحديات جديدة، فالعدوان الروسي يقض مضاجع الحلفاء، والمتطرفون الذين اختطفوا الدين يهددون الحكومات والشعوب في كل مكان، وتعمل التكنولوجيا على تسريع وتيرة التحول في ميزان القوى بين الحكومات والمحكومين على النحو الذي يقدم الفرص للمساءلة الديمقراطية، في حين يضع العقبات على الطريق إلى السياسة الشاملة.

لقد انتقلنا من عالم، حيث كانت السلطة والنفوذ يكمنان في أنظمة هرمية التسلسل إلى عالم آخر، حيث تستوطن السلطة والنفوذ الشبكات العالمية، ويتعين على فن إدارة الدولة أن يتأقلم مع هذا التحول، والحق أن المؤسسات والشراكات الدولية التي نشأت في سنوات ما بعد الحرب تحتاج إلى الصيانة والتحديث.

وفي مواجهة كل هذا الارتباك والبلبلة، يقترح البعض أن أميركا لابد أن تتحول إلى الداخل وتنغلق على ذاتها، وهو ليس بالأمر الجديد، فقد ساق البعض نفس الحجة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ثم ساقوا الحجة ذاتها قبل خمسة وعشرين عاماً، بعد سقوط سور برلين، وكانوا مخطئين آنذاك، ومازالوا مخطئين حتى الآن.

لم تكن الحاجة إلى الزعامة الحقيقية في أي وقت مضى أكثر إلحاحاً مما هي عليه الآن، ولم تكن الولايات المتحدة في أي وقت مضى أكثر اندماجاً في العالم مما هي عليه اليوم، والواقع أن الدور الذي لعبناه في أول انتقال سلمي ديمقراطي للسلطة في أفغانستان على الإطلاق يُذَكرُنا جميعاً، بعد أن استثمرنا الكثير من الدم والمال للمساعدة في إعطاء الأفغان الفرصة لتحقيق النجاح في المعركة، بأن العالم يتحمل نفس القدر من المسؤولية عن مساعدة قادة هذا الشعب لتحقيق النجاح في الحكم.

نحن نعلم أن تدمير 100 في المئة من الأسلحة الكيميائية، التي أعلنت سورية امتلاكها، ما كان ليحدث في غياب الدبلوماسية المباشرة والمثابرة، تماماً كما لن تنتهي الحرب الأهلية غير الأخلاقية والمروعة في سورية من دون نفس القدر من الالتزام، وكذا في آسيا، حيث أعلن للتو الرئيس باراك أوباما والرئيس الصيني شي جين بينغ التزامات طموحة بمعالجة تغير المناخ، نتذكر ما قد تتمكن البلدان من إنجازه من خلال العمل التعاوني في ظل الزعامة الحقيقية، وكيف أن قدراً إضافياً من الزعامة مطلوب لإبرام اتفاقية مناخية ناجحة في باريس العام المقبل.

لقد تغير العالم، ونحن نتغير معه، ولم تعد الخطوط على الخريطة تنطوي على التهديدات الأشد خطورة، ولم يعد اللاعبون مقسمين بدقة إلى معسكرين واضحين.

ففي القرن الحادي والعشرين تحول كل مكان، مهما كان بعيداً، إلى جوار، ولهذا السبب يحتاج العالم إلى دبلوماسية التحالف، فلن تتمكن أي دولة بمفردها من إلحاق الهزيمة بالإرهاب، ولن تتمكن أي دولة من حل التهديد الوجودي المتمثل في تغير المناخ وحدها، ولن تستطيع أي دولة استئصال الفقر المدقع، أو مكافحة الأوبئة المحتملة، أو تحسين الأمن النووي من خلال العمل منفردة.

ولن يتسنى لأحد منا أن يعيش حياة أكثر أمناً وثراءً إذا أدرنا ظهورنا للعالم، بل يتعين علينا أن نبني على تاريخنا من العمل مع الحلفاء من خلال تشكيل تحالفات جديدة؛ مع الحكومات، ومنظمات المجتمع المدني، وأجل، مع الناس العاديين.

ومن الأمثلة الجيدة هنا، ذلك الجهد الدولي المبذول لمواجهة وحشية وخبث تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية، فالآن يجري استخدام أدوات سياسية وإنسانية واستخباراتية تقدمها أكثر من ستين دولة لدعم العمل العسكري الموحد، ولا يعتمد النجاح على ما قد تتمكن من القيام به أي دولة بمفردها، أو حتى مجموعة منفردة من الدول، بل يعتمد على ما قد نتمكن جميعنا من تحقيقه من خلال التحرك إلى الأمام معاً في مواجهة هذا التهديد المشترك.

وعلى جبهة أخرى لا تقل أهمية، تعمل الولايات المتحدة مع الأمم المتحدة لحشد استجابة عالمية للخطر الذي يفرضه فيروس «إيبولا»، وقد تحدثت شخصياً مع أكثر من خمسين من القادة الأجانب، واتفقنا جميعاً على أن وقف الدمار في غرب إفريقيا ومنع انتشار «إيبولا» لن يتسنى لنا إلا من خلال التحركات المنسقة.

الحق أننا نحرز تقدماً في كل من القضيتين، ولكن لايزال هناك الكثير من العمل، وأن الجمع بين بلدان ذات مصالح متنافسة وموارد متفاوتة مهمة شاقة جداً، وتتطلب التحرك الدبلوماسي الدؤوب والاستعانة بالعلاقات التي بنيناها وحرصنا على صيانتها على مدى عقود من الزمان، فضلاً عن إقامة تحالفات مع شركاء جدد، ولكن من خلال التغلب على الخلافات، وتنسيق الجهود لإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، وقهر «إيبولا»، نعمل أيضاً على تعزيز الدعم لنظام عالمي يقوم على الحلول الجماعية للمشاكل المشتركة.

ولا يقل التعاون أهمية في مجال تعزيز المبادئ الاقتصادية الأساسية التي بنت عليها أميركا وغيرها من البلدان ازدهارها في فترة ما بعد الحرب، ولا ينبغي لنا أن نسمح للإحباط بالنمو بسرعة أكبر من نمو الفرصة في أي بلد. على سبيل المثال، تعكس المفاوضات حول اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ تصميم الرئيس أوباما على إبرام اتفاق مع الدول التي تمثل ثلث التجارة العالمية، ونحو 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

والواقع أن الفوائد -سواء بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو شركائها- هائلة، حيث تشير التقديرات إلى أن الشراكة عبر المحيط الهادئ من الممكن أن تقدم 77 مليار دولار أميركي سنوياً في هيئة دخل حقيقي، وأن تدعم توفير 650 ألف وظيفة جديدة في الولايات المتحدة وحدها، وتشكل اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر المحيط الأطلسي، التي يجري التفاوض عليها مع الاتحاد الأوروبي الآن، خطوة أخرى رئيسية نحو تعظيم التبادل التجاري.

إن الشراكات الحقيقية، سواء في مجال الأمن المتبادل أو الازدهار المشترك، لا تُبنى بين عشية وضحاها، ونحن في احتياج إلى الدبلوماسية الصبورة، والإرادة الجماعية لتعزيز الأهداف المشتركة، وتظل أهداف أميركا هي ذاتها كما كانت لعقود من الزمان: السلام والازدهار والاستقرار للولايات المتحدة وشركائنا في مختلف أنحاء العالم.

 * عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ماساتشوستس، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ سابقاً، ووزير خارجية الولايات المتحدة حالياً.

جريدة الجريدة

قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

سيف نيوز  منصة إخبارية إعلامية مستقلة.
بدء الموقع البث في يونيو عام 2013 ويتضمن أخبار سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية وجولات في الصحافة وبرامج دورية وأفلاما وثائقية وتحقيقات.
يبث الموقع اخباره 24 ساعة يوميا خلال 7 أيام في الأسبوع من قلب الحدث فهو بوابة اخبارية شاملة تتناول الأخبار والأحداث بمهنية وموضوعية وحيادية.

Go to top