مارغريتا والستروم || عام الصمود

عام الصمود

 

شهد العقد الماضي بعضاً من أسوأ الكوارث الطبيعية التي شهدتها البشرية على الإطلاق، إذ انهارت بورت أو برانس في زلزال، ودمر إعصار كاترينا نيو أورليانز، وقتلت موجات الجفاف عدداً غير معروف من البشر في منطقة القرن الإفريقي، وأثرت الفيضانات والزلازل على حياة الملايين في باكستان والصين، واجتاحت موجات الحر وحرائق الغابات البلدان في مختلف أنحاء العالم.

 قبل عشرة أعوام اجتمع ممثلو أكثر من 168 دولة عضو في الأمم المتحدة في كوبي، عاصمة إقليم هيوجو في اليابان، لاتخاذ القرار بشأن كيفية إدارة المخاطر على نحو أفضل في أعقاب تسونامي المحيط الهندي المدمر، والذي حصد أرواح أكثر من 227 ألف إنسان، وعلى مدى خمسة أيام تضمنت الذكرى السنوية لزلزال كوبي عام 1995، وضع المجتمعون إطار عمل هيوجو، الذي تألف من مجموعة من التدابير الرامية إلى "الحد من الخسائر في الأرواح والأصول الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في المجتمعات والبلدان".

وفي غضون شهرين، ستجتمع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في إطار المؤتمر العالمي الثالث للحد من مخاطر الكوارث في مدينة يابانية أخرى مرادفة لمخاطر الكوارث: سينداي ــ قلب منطقة توهوكو، التي تحملت عبء زلزال 2011 والتسونامي الذي أدى إلى انصهار قلب المفاعل النووي في فوكوشيما، وسوف يدور سؤال واحد في ذهن الجميع في ذلك الاجتماع: هل كان العالم على قدر المسؤولية التي فرضتها أهداف إطار عمل هيوجو؟

الواقع أن الأدلة من العقد الماضي، الذي شهد بعضاً من أسوأ الكوارث الطبيعية التي شهدتها البشرية على الإطلاق، ليست مواتية، فقد انهارت بورت أو برانس في زلزال، ودمر إعصار كاترينا نيو أورليانز، وقتلت موجات الجفاف عدداً غير معروف من البشر في منطقة القرن الإفريقي، وأثرت الفيضانات والزلازل على حياة الملايين في باكستان والصين، واجتاحت موجات الحر وحرائق الغابات البلدان في مختلف أنحاء العالم.

وتُعَد هذه الكوارث بمنزلة تذكرة صارخة بالحاجة إلى أدوات مثل إطار عمل هيوجو، خاصة أن الأسباب التي تؤدي إلى تفاقم مخاطر الكوارث ــ الاستخدام غير اللائق للأراضي، وانعدام أو سوء تنفيذ قوانين البناء، والتدهور البيئي، والفقر، وتغير المناخ، وفي المقام الأول من الأهمية ضعف الحوكمة من قِبَل المؤسسات غير الملائمة وغير الكافية ــ لا تزال باقية ووفيرة، ولهذا السبب، يتعين على زعماء العالم أن يتفقوا على نسخة محدثة من إطار عمل هيوجو في مؤتمر سينداي.

لا شك أن الأمر لم يخل من بعض النجاحات المهمة، وإن كانت أقل بروزا، على مدى السنوات العشر الأخيرة، ففي آسيا، حيث تتركز 80 في المئة من كوارث العالم، انخفض عدد الأشخاص المتضررين بالكوارث بشكل مباشر بنحو نصف مليار تقريبا، عقداً تلو الآخر، وفي السنوات الثلاث الماضية، بذلت الصين قصارى جهدها للإبقاء على الخسائر الاقتصادية في حدود هدف لا يتجاوز 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن ناحية أخرى، تخطط تركيا لتحصين كل مدرسة ومستشفى في البلاد من الزلازل بحلول عام 2017، كما طورت إثيوبيا نظاماً متقدماً لإدارة البيانات للمساعدة في توجيه جهودها في التصدي ليس فقط لموجات الجفاف بل وأيضاً غيرها من المخاطر الطبيعية. وكل من البلدين ــ وبلدان أخرى كثيرة ــ أدرج دراسة لمخاطر الكوارث في المناهج الدراسية.

وفي أميركا اللاتينية، خلص تحليل للتكاليف والمنافع في الإكوادور إلى أن كل دولار يستثمر في الحد من مخاطر الكوارث، من خلال إزالة الخسائر المتكررة الناجمة عن الفيضانات والعواصف، يقدم نحو 9.5 دولارات في هيئة مدخرات، وعلى نحو مماثل، تشير تقديرات الاتحاد الأوروبي إلى أن اليورو الواحد (1.18 دولار) الذي ينفق على الحماية من الفيضانات يجلب 6 دولارات من المدخرات.

وفي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، كان الاستثمار في دفاعات درء الفيضانات يعني حماية 800 ألف عقار خلال عواصف الشتاء الماضي، وهو الأمر الذي أدى إلى الحد من فاتورة الاستجابة والتعافي بشكل كبير.

ولكن لابد من بذل المزيد من الجهود، ففي السنوات الأربع والأربعين الماضية، أدت الكوارث الناجمة عن الطقس والمناخ والمخاطر المرتبطة بالمياه إلى 3.5 مليون وفاة، ورغم إحراز تقدم ملموس في الحد من الوفيات الناجمة عن الكوارث ــ وفقاً لمركز أبحاث الأوبئة المرتبطة بالكوارث لم يسجل عدد الوفيات المرتبطة بالكوارث زيادة كبيرة في العقد الماضي برغم تنامي الكوارث ــ فإن هذا الرقم يظل مرتفعاً للغاية.

وعلاوة على ذلك، فحتى عندما يتم إنقاذ أرواح الناس، فإن سبل معيشتهم كثيراً ما تتضرر بشدة، فمنذ عام 1960، كلفت الكوارث العالم أكثر من 3.5 تريليونات دولار، وتكبدت البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء ثمناً باهظاً من حيث الخسارة في الإنتاجية والبنية الأساسية المتضررة.

ولهذا السبب، يتعين على زعماء العالم في مؤتمر الأمم المتحدة المرتقب في سينداي أن يتفقوا، من خلال إطار عمل منقح شبيه بإطار عمل هيوجو، على توسيع نطاق جهودهم الرامية إلى مواجهة المخاطر الناجمة عن ارتفاع مستويات سطح البحر، والانحباس الحراري العالمي، والتوسع الحضري الجامح، والنمو السكاني السريع، ولن يتسنى للعالم إحراز تقدم حقيقي نحو مستقبل أكثر أماناً واستدامة إلا من خلال الالتزام السياسي القوي على أعلى المستويات.

لن يكون الفوز بالدعم لإطار عمل هيوجو المنقح صعباً، ففي نهاية المطاف، لا يوجد سبب مقنع أو حتى عقلاني قد يدفع وزير مالية أو رئيساً تنفيذياً لاختيار تحمل تكاليف التعافي، ولكن ليس الاستثمار في الوقاية.

لقد حان الوقت لكي يدمج العالم القدرة على الصمود في مواجهة الكوارث في العملية التصنيعية وتطوير البلدات والمدن، مع الوضع في الحسبان عوامل مثل التهديدات الزلزالية، وسهول الفيضانات، وتآكل السواحل، والتدهور البيئي، وإذا أنتج مؤتمر الأمم المتحدة الاتفاق الصحيح، فقد يصبح الصمود السمة المميزة لعام 2015، ويحدد مزاج واتجاه الاتفاقيات بشأن تغير المناخ والتنمية المستدامة في وقت لاحق من هذا العام، وكل من الأمرين يحمل دلالات بالغة الأهمية لجهود الحد من مخاطر الكوارث.

 

بروجيكت سنديكيت

قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

سيف نيوز  منصة إخبارية إعلامية مستقلة.
بدء الموقع البث في يونيو عام 2013 ويتضمن أخبار سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية وجولات في الصحافة وبرامج دورية وأفلاما وثائقية وتحقيقات.
يبث الموقع اخباره 24 ساعة يوميا خلال 7 أيام في الأسبوع من قلب الحدث فهو بوابة اخبارية شاملة تتناول الأخبار والأحداث بمهنية وموضوعية وحيادية.

Go to top