جيريمي دروكر || نضال الحرية الرقمية في وسط أوروبا

انتفضت شعوب وسط أوروبا قبل عقدين من الزمان لإسقاط الحكومات السرية والسلطوية، واليوم حققت الدول الشيوعية السابقة في المنطقة تقدماً ملحوظاً، ولكن لا يزال هناك الكثير من العمل الشاق الذي ينبغي القيام به، ومن الجيد البدء بقيادة المعركة من أجل حرية الإنترنت.

قبل ربع قرن، عندما سقط جدار برلين وارتفع الستار الحديدي اختارت شعوب وسط أوروبا الرأسمالية بدلاً من الشيوعية، والديمقراطية بدلاً من الدكتاتورية، ولكن اليوم، أداء شعوب جمهورية التشيك وهنغاريا وبولندا وسلوفاكيا، الدول الشيوعية الأربع السابقة في المنطقة، يشوبه الارتباك المخيب للآمال عندما يتعلق الأمر بحماية وتشجيع حرية الإنترنت.

أظهرت دراسة أجريت مؤخراً في تلك البلدان الأربعة من قبل مؤسساتنا أن على جميع تلك الدول أن تلعب دوراً قوياً في تشجيع حرية تدفق المعلومات، ولكن هناك الكثير الذي يمكن تحسينه، إذ تتمتع جمهورية التشيك بسجل حافل في دعم حرية التعبير والحد من المراقبة وتشجيع الشفافية، ولكن هنغاريا تقاضي المدونين والناشرين وتفرض عليهم غرامات ثقيلة، بالإضافة إلى عقوبات أخرى، أما بولندا وسلوفاكيا فتأتيان في الوسط.

تستعد البلدان الأربعة للاستفادة الكبيرة من العالم الرقمي الجديد، وكل منها لديها المتطلبات اللازمة لمجتمعات الإنترنت المفتوحة والمفعمة بالحياة، من انتشار جيد للإنترنت وأنظمة تعددية سياسية وديمقراطية، كما أشارت صحيفة الفاينانشال تايمز مؤخراً إلى "المستوى المرتفع من التعليم في مجال الرياضيات وتكاليف التشغيل المنخفضة وجيل شاب متأثر بالعولمة مما يؤشر لمزيج قوي وناجح".

قائمة "الفاينانشال تايمز" للمبتكرين المئة الجدد من أوروبا تضم أمثلة عديدة على قصص نجاح الإنترنت، فهناك الطبيب الهنغاري الذي انشأ موقعاً الكترونياً لتقديم النصائح الطبية تحركه وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك طلبة بولنديون تمكنوا من بناء رجل آلي بإمكانه العمل في المريخ، بالإضافة إلى المبتكر السلوفاكي للسيارة الطائرة.

لكن رغم تجاربها تحت ظل الشيوعية والاحتجاجات ضمن حدودها فيما يتعلق بما كشفه إدوارد سنودن عن التطفل من خلال الإنترنت، فإن حكومات وسط أوروبا لم تتخذ بعد موقفاً قوياً لكبح جماح السلطات لديها، فالشرطة تتقدم سنوياً بآلاف الطلبات لمراقبة الإنترنت، والمحاكم عادة ما تستجيب، ومن النادر إخطار المستخدمين بمثل تلك الطلبات، كما أن الأساس الذي بموجبه تم اعتماد تلك الطلبات عادة ما يكون غامضا.

القوانين التي تتحقق من حرية الإنترنت عادة ما يتم تجاهلها أو تطويعها، حيث يتعاظم الجدل حول ما إذا كان يجب حجب المحتوى وما حمايات حقوق النشر التي تنطبق على منشورات الإنترنت، والبيروقراطيون عادة ما يترددون فيما يتعلق بالمتطلبات لجعل المعلومات متاحة على الإنترنت، والمحاكم لديها حماسة زائدة لبدء قضايا كان يجب تسويتها بإجراءات تتعلق بالطلب من شركات الإنترنت إزالة المحتوى. في تلك البلدان الأربعة، يحتاج الإطار القانوني بشدة إلى الإصلاح لتوضيح حدود حرية التعبير بالنسبة للمدونين والصحافيين، ويجب أن يتم تحديث التشريع حتى يعكس التطور في عالم الإنترنت والتحول الكبير في التواصل الشخصي ونقل الأخبار، وفي سلوفاكيا لا يتمتع صحافيو الإنترنت بنفس الحماية القانونية التي يتمتع بها صحافيو الصحافة المطبوعة، أما أحكام القضاء المتعلقة بمحتوى الانترنت فتحابي السياسيين على حساب الصحافة، وفي بولندا يطالب القضاء بالإزالة السريعة لمحتوى الانترنت المهين، وتشويه السمعة يخضع للمقاضاة الجنائية.

يجب زيادة الشفافية في طول وسط أوروبا وعرضها، فالتشريع الحالي غامض لدرجة أنه يسمح للوكالات الحكومية برفض طلبات حرية المعلومات على أساس ادعاءات بالسرية التجارية أو مخاوف الخصوصية.

وهنغاريا هي الأسوأ، من حيث الأداء في المنطقة، ففي سنة 2010 تبنت الحكومة اليمينية تشريعاً صحافياً يطلب من جميع المؤسسات أن تقوم بالتسجيل لدى الدولة، كما أن هذا التشريع ينص على أن الأخبار التي يتم نشرها يجب أن تكون "متوازنة"، وأن تكون "ذات علاقة بمواطني هنغاريا" و"تحترم الكرامة الإنسانية"، كما أن القانون أضعف حماية المصادر الصحافية، وعقوبات انتهاك القوانين تتضمن الغرامات أو الإيقاف أو الإغلاق.

لقد أجمعت المفوضية الأوروبية ومجلس أوروبا ومجموعات الرقابة على انتقادها للتشريع، ولكن الحكومة الهنغارية استمرت في حملتها ضد الإعلام، والقانون الجنائي الجديد يترك المجال لإساءة استخدام السلطة بما في ذلك إمكانية تصفية محتوى الانترنت، وفي الخريف الماضي حاولت الحكومة فرض ضريبة على الإنترنت بقيمة 0.50 يورو، أي ستين سنتاً لكل غيغابايت، وهو يعادل معنوياً فرض ضريبة على قراءة كتاب أو التحدث مع صديق، وبعد أن تجمع أكثر من 100 الف محتج في بودابست تم سحب الاقتراح، على الأقل حالياً.

الدول الشيوعية السابقة لديها فرصة نادرة لأن تصبح دولاً قيادية على مستوى العالم في مجال حرية الإنترنت، وفي قمة اتحاد الاتصالات العالمي في دبي في ديسمبر 2012، لعب الوزير البولندي السابق للإدارة والرقمنة مايكل بوني دوراً مهماً في عرقلة الجهود لفرض ضوابط حكومية على استخدام الإنترنت، ولكن في هذه الأثناء لم تقم وزارة الخارجية البولندية بجعل حرية الإنترنت أولوية، وبخلاف جمهورية التشيك على سبيل المثال لم تقم بولندا بالانضمام بعد إلى ائتلاف حرية الانترنت.

لقد انتفضت شعوب وسط أوروبا قبل عقدين من الزمان لإسقاط الحكومات السرية، والسلطوية واليوم حققت الدول الشيوعية السابقة في المنطقة تقدماً ملحوظاً، ولكن لا يزال هناك الكثير من العمل الشاق الذي ينبغي القيام به، ومن الجيد البدء بقيادة المعركة من أجل حرية الإنترنت.

بروجيكت سنديكيت

قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

سيف نيوز  منصة إخبارية إعلامية مستقلة.
بدء الموقع البث في يونيو عام 2013 ويتضمن أخبار سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية وجولات في الصحافة وبرامج دورية وأفلاما وثائقية وتحقيقات.
يبث الموقع اخباره 24 ساعة يوميا خلال 7 أيام في الأسبوع من قلب الحدث فهو بوابة اخبارية شاملة تتناول الأخبار والأحداث بمهنية وموضوعية وحيادية.

Go to top