حينما كنا طلبة في جامعة الكويت وبالتحديد في قسم العلوم السياسية كان الأساتذة يرددون على أسماعنا أن من يملك المال ويسيطر على الاقتصاد هو الحاكم الفعلي في أي بلد من بلدان العالم وهي حقيقة ظاهرة وملاحظة بشكل واضح في دول الغرب وكثير من بلدان العالم.
فالمال والاقتصاد هما المحركان الرئيسيان للسياسة فحين تجد قضية وأزمة سياسية ابحث من ورائها عن الدوافع الاقتصادية فأغلب الحروب منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا كانت أسبابها توسعية اقتصادية بالدرجة الأولى ولم يتحرك المستعمرون في القرون السابقة إلا بدافع التعطش لثروات الشرق وإشباع رغباتهم من المال والتجارة.
ولو أمعنا النظر في وضعنا الداخلي ومشكلاتنا السياسية منذ الاستقلال وحتى اليوم لوجدنا حب السيطرة على المال والثروة كان وراء تلك المشكلات وبدرجات متفاوتة.
فالصراع النيابي الحكومي المتكرر والمستمر منذ عقود يحسبه البعض خلافاً سياسياً بحتاً حول طريقة إدارة البلد من دون أن يعلم أن هناك دوافع اقتصادية وأطرافاً متنفذة متعطشة للمال هي من تقود ذلك الصراع والأمثلة كثيرة على ذلك فلا يوجد مشروع حكومي يظهر على الساحة إلا ونرى التنافس بين المتنفذين للاستحواذ عليه فإذا خسر أحدهم تلك المناقصة حرك وسائل الاعلام التي يمتلكها للتأثير على الشارع مستغلين النواب المحسوبين عليهم أو النواب المخدوعين والذين يتحركون ويتأثرون بتوجهات الشارع دون أن يعلم أولئك النواب أنهم يسيرون ضمن مخططات الآخرين.
ولو رجعنا للتاريخ المحلي قليلا لعرفنا كيف كان ولايزال الطمع والجشع هما المحرك الحقيقي لتلك الخلافات وقائدها في كثير من المؤامرات ففي فترة الستينات والسبعينات كان تحالف التجار مع التيارات السياسية باختلاف توجهاتهم وايديولوجياتهم هدفه الرئيسي حماية ثرواتهم وتعزيزها ودعم مشاريعهم ورفع يد الدولة عن الاقتصاد والمطالبة بتخصيص مرافق الدولة للسيطرة عليها حتى تكون لهم الكلمة الأولى في التحكم بشؤون الدولة.
وخلال الثمانينات كان من أبرز صور النزاع الحكومي النيابي رغم صعوبة الوضع الأمني الاقليمي المحيط بالبلاد يتمحور حول أزمة المناخ وقضية المديونيات الصعبة وهو صراع أساسه تجاري وظاهره خلاف سياسي وما أن تحررت البلاد من الغزو العراقي الغاشم حتى ظهر مشروع الحكومة للسماح للشركات الأميركية بالاستثمار في حقول الشمال لتحقيق أهداف عدة أهمها ترسيخ التحالف مع الولايات المتحدة وحماية البلاد من الخطر العراقي ولكن بسبب التنافس المحموم والأنانية والتعطش للاستحواذ على ذلك المشروع تحركت أطراف متنفذة تجارية بما تملكه من آلة إعلامية ونواب لتعطيل ذلك المشروع حتى انتهى به الأمر إلى الإلغاء بعد سنوات من التخوين وتبادل الاتهامات بين النواب والسياسيين.
ولم يتوقف التنافس بين المتنفذين في إفشال وتعطيل أغلب مشاريع الحكومة فجاء مثلا تعطيل مشروع الشراكة مع شركة الداو كميكال وإلزام الدولة دفع غرامة مليارين ونصف المليار وإفراغ شركة المشروعات السياحية من محتواها ورفض تحديث الخطوط الجوية الكويتية وتدميرها لحساب شركات أخرى منافسة والشكوك والتخوين ضد مشاريع ميناء بوبيان ومدينة الحرير وجسر جابر وغيرها الكثير من المشاريع المهمة للدولة ليفسر لنا مدى تأثير ذلك الصراع في تعطيل المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية والتي تعود بالنفع على الوطن والمواطن.
فمن يملك المال وقلبه مملوء بالطمع والجشع دائما يسعى لتقديم مصالحه الخاصة على حساب مصالح الدولة ودون أن يستفيد الوطن منه شيئا سوى إشعال الحروب السياسية ونشر بذور الشقاق بين أبناء الشعب.

عويد الصليلي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رأيك في الموضوع

سيف نيوز  منصة إخبارية إعلامية مستقلة.
بدء الموقع البث في يونيو عام 2013 ويتضمن أخبار سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية وجولات في الصحافة وبرامج دورية وأفلاما وثائقية وتحقيقات.
يبث الموقع اخباره 24 ساعة يوميا خلال 7 أيام في الأسبوع من قلب الحدث فهو بوابة اخبارية شاملة تتناول الأخبار والأحداث بمهنية وموضوعية وحيادية.

Go to top